ابن قيم الجوزية
275
الروح
بل قام متحيز داخل العالم ، منتقل من مكان إلى مكان ، يتحرك ويسكن ويخرج ويدخل ، وليس هذا إلا هذا البدن والجسم الساري فيه المشابك لو لاه لكان بمنزلة الجماد . الوجه العاشر بعد المائة : أن النفس لو كانت مجردة وتعلقها بالبدن تعلق التدبير فقط كتعلق الملاح بالسفينة ، والجمال بجمله لأمكنها ترك تدبير هذا البدن واشتغالها بتدبير بدن آخر ، كما يمكن الملاح والجمال ذلك ، وفي ذلك تجويز نقل النفوس من أبدان إلى أبدان ، ولا يقال أن النفس اتحدت ببدنها فامتنع عليها الانتقال ، أو أنها لها عشق طبيعي وشوق ذاتي إلى تدبير هذا البدن ، فلهذا السبب امتنع انتقالها ، لأنا نقول : اتحاد ما لا يتحيز بالمتحيز محال . ولأنها لو اتحدت به لبطلت ببطلانه ، ولأنها بعد الاتحاد إن بقيا فهما اثنان لا واحد ، وإن عدما معا وحدث ثالث فليس من الاتحاد في شيء ، وإن بقي أحدهما وعدم الآخر فليس باتحاد أيضا . وأما عشق النفس الطبيعي للبدن فالنفس إنما تعشقه لأنها تتناول اللذات بواسطته ، وإذا كانت الأبدان متساوية في حصول مطلوبها كانت نسبتها إليها على السواء ، فقولكم إن النفس المعينة عاشقة للبدن المعين باطل ، ومثال ذلك العطشان إذا صادف آنية متساوية كل منها يحصل غرضه امتنع عليه أن يعشق واحدا بعينه دون سائرها . الوجه الحادي عشر بعد المائة : أن نفس الإنسان لو كانت جوهرا مجردا لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصلة بالعالم ولا منفصلة عنه ولا مباينة ولا مجانبة لكان يعلم بالضرورة أنه موجود بهذه الصفة ، لأن علم الإنسان بنفسه وصفاتها أظهر من كل معلوم ، وأن علمه بما عداه تابع لعلمه بنفسه ، ومعلوم قطعا أن ذلك باطل ، فإن جماهير أهل الأرض يعلمون أن إثبات هذا المجود محال في العقول شاهدا وغائبا ، فمن قال ذلك في نفسه وربه فلا نفسه عرف ولا ربه عرف . الوجه الثاني عشر بعد المائة : أن هذا البدن المشاهد محل لجميع صفات النفس وإدراكاتها الكلية والجزئية ، ومحل للقدرة على الحركات الإرادية ، فوجب أن يكون الحامل لتلك الإدراكات والصفات هو البدن وما سكن فيه . أما أن يكون محلها جوهرا مجردا لا داخل العالم ولا خارجه فباطل بالضرورة .